عبد القادر السلوي
830
الكوكب الثاقب في أخبار الشعراء وغيرهم من ذوي المناقب
المدينة فابتاعني منه فاحتملني إلى المدينة ، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي فأقمت بها . وبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرّق ، ثم هاجر إلى المدينة ، فوالله إني لفي رأس عذق « 1 » لسيّدي أعمل فيه بعض العمل ، وسيدي جالس تحتي إذ أقبل ابن عمّ له حتى وقف عليه فقال : يا فلان ، قاتل الله بني قيلة « 2 » ، والله إنّهم الآن لمجتمعون بقباء « 3 » على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبيّ ، فلمّا سمعتها أخذتني العرواء « 4 » حتى ظننت أنّي سأسقط على سيدي ، فنزلت عن النّخلة فجعلت أقول لابن عمّه ذلك : ما ذا تقول ؟ فغضب سيدي ، فلكمني لكمة شديدة ثم قال : مالك ولهذا ؟ أقبل على عملك . فقلت : لا شيء إنّما أردت أن أستثبته عمّا قال . وقد كان عندي شيء جمعته ، فلمّا أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو بقباء « 3 » ، فدخلت عليه ، فقلت : إنه قد بلغني أنّك رجل صالح ، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة ، وهذا شيء كان عندي للصّدقة ، فرأيتكم أحقّ به من غيركم ، فقرّبته إليه ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم « 5 » ( لأصحابه ) كلوا ، وأمسك يده ، فلم يأكل . فقلت في نفسي هذه واحدة ، ثم انصرفت عنه ، فجمعت شيئا ، وتحوّل رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى المدينة فجئته به ، فقلت : إنّي قد رأيتك لا تأكل الصدقة ، وهذه هدية أكرمتك بها ، فأكل رسول الله صلّى الله عليه وسلم منها وأمر أصحابه فأكلوا معه ، فقلت في نفسي هاتان ثنتان .
--> ( 1 ) العذق بالفتح النخلة بحملها وبالكسر العرجون بما فيه من الشماريخ ( اللسان : عذق ) . ( 2 ) قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد بن زيد بن قضاعة وهي أم الأوس والخزرج . السيرة 1 / 218 . ( 3 ) قباء : موضع على بعد ميلين من المدينة . معجم البلدان 4 / 301 - 302 واللسان ( قبا ) ( 4 ) العرواء : الرّعدة من البرد والحمّى والخوف . ( اللسان : عرا ) . ( 5 ) ما بين القوسين ساقط من ج .